فخر الدين الرازي
217
تفسير الرازي
وأحكام الشريعة غافلاً عنها فهداك إليها ، وهو المراد من قوله : * ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) * ( الشورى : 52 ) وقوله : * ( وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) * ( يوسف : 3 ) وثانيها : ضل عن مرضعته حليمة حين أرادت أن ترده إلى جده حتى دخلت إلى هبل وشكت ذلك إليه فتساقطت الأصنام ، وسمعت صوتاً يقول : إنما هلاكنا بيد هذا الصبي ، وفيه حكاية طويلة وثالثها : ما روي مرفوعاً أنه عليه الصلاة والسلام قال : " ضللت عن جدي عبد المطلب وأنا صبي ضائع ، كاد الجوع يقتلني ، فهداني الله " ذكره الضحاك ، وذكر تعلقه بأستار الكعبة ، وقوله : يا رب رد ولدي محمدا * اردده ربي واصطنع عندي يداً فما زال يردد هذا عند البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة وبين يديه محمد وهو يقول : لا ندري ماذا نرى من ابنك ، فقال عبد المطلب ولم ؟ قال : إني أنخت الناقة وأركبته من خلفي فأبت الناقة أن تقوم ، فلما أركبته أمامي قامت الناقة ، كأن الناقة تقول : يا أحمق هو الإمام فكيف يقوم خلف المقتدى ! وقال ابن عباس : رده الله إلى جده بيد عدوه كما فعل بموسى حين حفظه على يد عدوه ورابعها : أنه عليه السلام لما خرج مع غلام خديجة ميسرة أخذ كافر بزمام بعيره حتى ضل ، فأنزل الله تعالى جبريل عليه السلام في صورة آدمي ، فهداه إلى القافلة ، وقيل : إن أبا طالب خرج به إلى الشأم فضل عن الطريق فهداه الله تعالى وخامسها : يقال : ضل الماء في اللبل إذا صار مغموراً ، فمعنى الآية كنت مغموراً بين الكفار بمكة فقواك الله تعالى حتى أظهرت دينه وسادسها : العرب تسمي الشجرة الفريدة في الفلاة ضالة ، كأنه تعالى يقول : كانت تلك البلاد كالمفازة ليس فيها شجرة تحمل ثمر الإيمان بالله ومعرفته إلا أنت ، فأنت ، شجرة فريدة في مفازة الجهل فوجدتك ضالاً فهديت بك الخلق ، ونظيره قوله عليه السلام : " الحكمة ضالة المؤمن " وسابعها : ووجدك ضالاً عن معرفة الله تعالى حين كنت طفلاً صبياً ، كما قال : * ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ) * ( النحل : 78 ) فخلق فيك العقل والهداية والمعرفة ، والمراد من الضال الخالي عن العلم لا الموصوف بالاعتقاد الخطأ وثامنها : كنت ضالاً عن النبوة ما كنت تطمع في ذلك ولا خطر شيء من ذلك في قلبك ، فإن اليهود والنصارى كانوا يزعمون أن النبوة في بني إسرائيل فهديتك إلى النبوة التي ما كنت تطمع فيها البتة وتاسعها : أنه قد يخاطب السيد ، ويكون المراد قومه فقوله : * ( ووجدك ضالاًّ ) * أي وجد قومك ضلالاً ، فهداهم بك وبشرعك وعاشرها : وجدك ضالاًّ عن الضالين منفرداً عنهم مجانباً لدينهم ، فكلما كان بعدك عنهم أشد كان ضلالهم أشد ، فهداك إلى أن اختلطت بهم ودعوتهم إلى الدين المبين الحادي عشر : وجدك ضالاً عن الهجرة ، متحيراً في يد قريش متمنياً فراقهم وكان لا يمكنك الخروج بدون إذنه تعالى ، فلما أذن له ووافقه الصديق عليه وهداه إلى خيمة أم معبد ، وكان ما كان من حديث سراقة ، وظهور القوة في الدين كان ذلك المراد بقوله : * ( فهدى ) * ، الثاني عشر : ضالاًّ عن القبلة ، فإنه كان يتمنى أن تجعل الكعبة قبلة له